المطالبة بإسقاط الولاية

ثم من الأسباب المثارة:
سوء تطبيق الولاية من بعض الأولياء، وهذا أمرٌ لا ينكر، فمن الأولياء من يسيء تطبيق الولاية وينحرف بها عن مسارها الشرعي؛ لكن هذا لا يسوّغ إسقاطها نظاماً بصفة عامة؛ لأمور:
أولاً: أن الولاية شرعٌ من الله وهو لا يُسقط بإسقاط، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 36]، وهل الإسلام إلا الاستسلام لله بالطاعة....؟! وهل يجتمع الاستسلام بالطاعة لله مع المطالبة بإلغاء العمل بشيء من الشرع؟!

ثانياً: من قواعد الشرع المتقررة (يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام)، فلا يسوغ مثلاً أن يطالب أفراد بإزالة برج كهرباء من سلسلة متصلة قد عاق طريقهم؛ ليضروا أهلَ مدينةٍ كاملة بقطع الكهرباء عنهم!
ولا أضرّ على عامة الأمة من عدم إعمال شرعه تعالى.

ثالثاً: للمتضررات من سوء تطبيق الأولياء للولاية الترافع للمحاكم للنظر في شأنهن وإعطائهن حقوقهن، ومما نصّ عليه نظام القضاء فيما يتعلق بذلك:
"المرأة التي تتعرض للظلم والعضل من وليها في حكم من لا ولي لها من النساء وهذا يعني أنه إذا صدر حكم قضائي بثبوت عضل الأولياء فإن للمرأة الحق أن يزوجها القاضي متى رغبت في الزواج".

بقي أمرٌ مهم آثرت الختام به وهو دعوى أن الولاية وقوامة الرجل على المرأة ليست من الشرع، فلنأتِ على ذلك بالبيان:
يستدل أهل العلم لولاية الرجل على المرأة بقول الحق في كتابه العزيز: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ [النساء: 34]، فما معنى قوّامون؟

يجيبك حبر الأمة وترجمان القرآن:
جاء في تفسير الطبري (8/ 290) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ [النساء: 34]، يعني: أمرَاء.

واحفظ هذا التفسير من ابن عباس -رضي الله عنهما-، فسأعلق عليه بعد هذه الإيرادت المعضّدة لمعنى القوامة المتضمن للولاية:
جاء في الذخيرة للقرافي المالكي (4/ 341):
"قاعدة: من مقتضى الزوجية قيام الرجل على المرأة بالحفظ والصون والتأديب؛ لإصلاح الأخلاق لقوله تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ [النساء: 34]".

وجاء في تفسير النسفي (1/ 354):
"﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ [النساء: 34]: يقومون عليهن آمرين ناهين كما يقوم الولاة على الرعايا وسموا قواماً لذلك".

وجاء في فتح القدير للشوكاني (1/ 531):
"المراد: أنهم يقومون بالذب عنهن، كما تقوم الحكام والأمراء بالذب عن الرعية، وهم أيضا: يقومون بما يحتجن إليه من النفقة، والكسوة، والمسكن. وجاء بصيغة المبالغة في قوله: قوامون ليدل: على أصالتهم في هذا الأمر".

ويتجلى من خلال النقولات السالفة أن الولاية رحمة من الرحيم سبحانه للمرأة، فبقوته يُجبر ضعفها، وبعقله يُكمل شأنها، وبتدبيره ونفقته تسيّر أمورها وتسهّل حياتها، وليست كما يفهم البعض بأنها تعنّتٌ وتجبرٌ وفردٌ للعضلات، وتنمّرٌ على الموليات.

وحسبك تفسير حبر الأمة ابن عباس: الرجال أمراء على نسائهن، ففيه معنى الصيانة للمرأة وتدبير شؤونها ومصالحها، وفيه معنى الرئاسة الكاملة، والولاية التامة، فهذا الولي يقوم على أمر مولياته كما يقوم الولاة على الرعايا.

هذا تفسير الصحابي البحر الحبر ترجمان القرآن للآية، ونعم ترجمان القرآن ابن عباس!
ولا شك أن الصحابة أدرى بتفسير كلام الله لما شاهدوه من نزول القرآن، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم.
وتعرَّ من ثوبين من يلبسهما
يلقى الردى بمذمةٍ وهوانِ
ثوبٌ من الجهلِ المركبِ فوقهُ
ثوب التعصب بئست الثوبانِ!


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/spotlight/0/106909/#ixzz5NQejaTql


‏‫من الـ iPhone الخاص بي‬